ابن عجيبة
413
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ما فعل من الإدالة ليعلم ، أو عطف على علة محذوفة ، أي : نداولها ليكون كيت وكيت ، وليعلم . . . إلخ ، إيذانا بأن العلة فيه غير واحدة ، وأن ما يصيب المؤمن : فيه من المصالح ما لا يعلم ، و ( يعلم الصابرين ) : منصوب بأن ، علّى أنّ الواو للجمع . يقول الحق جل جلاله : إِنْ يَمْسَسْكُمْ في غزوة أحد قَرْحٌ كقتل أو جرح ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ من أعدائكم يوم بدر قَرْحٌ مِثْلُهُ ، فإن كان قتل منكم خمسة وسبعون يوم أحد ، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون . أو : فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ يوم أحد قَرْحٌ مثل ما أصابكم ، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم ، قبل أن تخالفوا أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، كما نالوا منكم يومئذ . وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أي : نصرف دولتها بينهم ، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى ، كما قال الشاعر : فيوم علينا ، ويوم لنا ، * ويوم نساء ، ويوم نسر « 1 » فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر ، فكانت الدولة لهم ، وأديل المشركون يوم أحد . والمراد بالأيام : أيام الدنيا ، أو أيام النصر والغلبة . وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين ، ويظهر علمهم للناس ، وليتخذ اللّه مِنْكُمْ شُهَداءَ حين ماتوا في الجهاد ، أكرمهم اللّه بالشهادة ، ولا تدل إدالة المشركين على أن اللّه يحبهم ، فإن اللّه لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وإنما أدالهم لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي : ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب ، وإنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم . والمحق : نقص الشيء قليلا قليلا . ثم عاتب المسلمين فقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أي : ظننتم أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ علم ظهوره ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ أي : لا تظنوا أن تدخلوا الجنة كما دخلها من قتل منكم ، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من الجهاد والصبر على القتل والجرح ؛ حتى يقع العلم ظاهرا بجهادكم وصبركم . وَلَقَدْ كُنْتُمْ قبل خروجكم إلى الجهاد تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي : الحرب ؛ لأنه سبب الموت ، وتقولون : ليت لنا يوما مثل يوم بدر ، فلقد لقيتموه وعاينتموه يوم أحد وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ من مات من إخوانكم ، فما لكم حين رأيتموه جبنتم وانهزمتم ؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد ، ثم انهزم عن الحرب ، ثم تداركهم بالتوبة والعفو ، على ما يأتي إن شاء اللّه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح ؛ كحبس أو ضرب أو سجن أو حرج أو جلاء ، فقد مس العموم مثل ذلك ، غير أنكم تسيرون به إلى اللّه تعالى لمعرفتكم فيه ، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم ، أو إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم ، ففيهم أسوة لكم ، وهذه عادة اللّه في أوليائه ، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا ، ثم يديل لهم ، وإنما أديل عليهم أولا ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا ، وليعلم
--> ( 1 ) البيت للنمر بن كولب ، كما ورد في الكتاب لسيبويه 1 / 86 .